القاضي التنوخي

147

الفرج بعد الشدة

عمر بن عبد العزيز : لعن اللّه الحجّاج ، فإنّه ما كان يصلح للدنيا ، ولا للآخرة ، فإنّ عمر ابن الخطاب رضي اللّه عنه ، جبى العراق ، بالعدل والنصفة ، مائة ألف ألف ، وثمانية وعشرين ألف ألف درهم ، وجباه الحجّاج مع عسفه وجبروته ثمانية عشر ألف ألف درهم فقط ، قال عمر : وها أنا قد رجع إليّ على خرابه ، فجبيته مائة ألف ألف درهم وأربعة وعشرين ألف ألف درهم ، بالعدل والنصفة ( معجم البلدان 3 / 178 ) . وممّا يدلّ على عقلية الحجّاج الفاسدة ، انّه لما خرب السواد من جراء إفراطه في الظلم وفي سوء الجباية ، تخيّل أنّ الانقطاع عن الزراعة ، إنّما كان لقلّة الماشية التي تعين الفلّاحين على حرث الأرض ، فأصدر أمره بتحريم ذبح البقر ، فقال الشاعر : [ الأغاني 16 / 378 ] شكونا إليه خراب السواد * فحرّم فينا لحوم البقر فكنّا كمن قال من قبلنا * أريها السها وتريني القمر وقد سمّى الناس سليمان بن عبد الملك ، مفتاح الخير ، لأنّه أذهب عنهم سنّة الحجاج ، وأخلى السجون ، وأطلق الأسرى ( وفيات الأعيان 2 / 420 ) ، ولما تولّى يزيد بن المهلّب العراق ، نظر في نفسه ، وقال : إنّ العراق قد أخربها الحجّاج ، وأنا اليوم رجاء أهل العراق ، ومتى أخذت الناس بالخراج ، وعذّبتهم عليه ، صرت مثل الحجّاج ، أدخل على الناس الخراب ، وأعيد عليهم تلك السجون التي قد عافاهم اللّه منها ، ( وفيات الأعيان 6 / 296 و 297 ) ، ولما خرج يزيد بن المهلّب ، بالعراق ، بايعه الناس ، على كتاب اللّه ، وسنّة نبيه ، وأن لا تعاد عليهم سيرة الفاسق الحجّاج ( وفيات الأعيان 6 / 304 ) . وليس الحجّاج هو الملوم وحده على سياسته المخرّبة ، فإنّ عبد الملك بن مروان الذي سلّطه على العراق ، هو الملوم الأوّل على ذلك ، فالحجّاج سيئة من سيّئات عبد الملك ( واسطة السلوك 209 ) ، ويحقّ لعبد الملك أن يحذر من اللّه تعالى لأنّ من يكن الحجّاج بعض سيّئاته ، يعلم أي شيء يقدم عليه ( ابن الأثير 4 / 521 ) . وقد كان عبد الملك مطّلعا تمام الاطّلاع على سياسة الحجاج المخرّبة ، وقد كتب إليه مرّة يقول : إنّ رأيك الذي يسوّل لك أنّ الناس عبيد العصا ، هو الذي أخرج رجالات العرب إلى الوثوب عليك ، وإذا أحرجت العامّة بعنف السياسة ، كانوا أوشك وثوبا عليك عند الفرصة ، ثمّ لا يلتفتون إلى ضلال الداعي ، ولا هداه ، إذا رجوا بذلك إدراك الثأر منك ، وقد ولّي العراق قبلك ساسة ، وهم يومئذ أحمى أنوفا ، وأقرب من عمياء الجاهلية ، وكانوا عليهم أصلح منك عليهم ( العقد الفريد 5 / 45 ) .